ابن قيم الجوزية
70
الوابل الصيب من الكلم الطيب
والعارفون عملوا على المراتب والمنزلة والزلفى عند الله . وأعمال هؤلاء القلبية أكثر من أعمال أولئك ، وأعمال أولئك البدنية قد تكون أكثر من أعمال هؤلاء . وذكر البيهقي عن محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى قال : قال موسى عليه السلام : يا رب ، أي خلقك أكرم عليك ؟ قال : الذي لا يزال لسانه رطباً بذكري . قال : يا رب ، فأي خلقك أعلم ؟ الذي يلتمس إلى عمله علم غيره . قال : يا رب ، أي خلقك أعدل ؟ قال : الذي يقضي على نفسه كما يقضي على الناس . قال يا رب ، أي خلقك أعظم ذنباً ؟ قال الذي يتهمني . قال : يا رب ، وهل يتهمك أحد ؟ قال : الذي يستخبرني ولا يرضى بقضائي . وذكر أيضاً عن أبن عباس قال : لما وقد موسى عليه السلام إلى طور سيناء قال : يا رب ، أي عبادك أحب إليك ؟ قال الذي يذكرني ولا ينساني . وقال كعب : قال موسى عليه السلام : يا رب ، أقريب أنت فأناجيك ، أم بعيد فأناديك ؟ فقال تعالى : يا موسى ، أنا جليس من ذكرني . قال : أني أكون على حال أجلك عنها . قال : ما هي يا موسى ؟ قال : عند الغائط والجنابة . قال : أذكرني على كل حال . وقال عبيد بن عمير : تسبيحة بحمد الله في صحيفة مؤمن خير له من جبال الدنيا تجري معه ذهباً . وقال الحسن : إذا كان يوم القيامة نادى مناد : سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم ، أين الذين كانت { تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون } قال فيقومون فيتخطون رقاب الناس . قال : ثم ينادي مناد : سيعلم أهل الجع من أولى بالكرم ، أين الذي كانت { لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله } قال فيقومون فيتخطون من رقاب الناس . قال ثم ينادي مناد : وسيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم ، أين الحمادون لله على كل حال ؟ قال فيقومون وهم كثير . ثم يكون التنعيم والحساب فيمن بقي . وأتى رجل مسلم الخولاني فقال له : أوصني يا أبا مسلم . قال : أذكر الله تعالى تحت كل شجرة ومدرة . فقال له زدني . فقال : أذكر الله حتى يحسبك الناس من ذكر الله تعالى مجنوناً . قال : وكان أبو مسلم يكثر ذكر الله تعالى ، فرآه رجل وهو يذكر الله تعالى